خطاب الرئيس بمناسبة افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، ذكرى ثورة يونيو
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. أرجو السماح لي بطلب عزف لحن "تحية الشهيد" لأن...
"بسم الله الرحمن الرحيم"
الحمد لله رب العالمين.
أرجو السماح لي بطلب عزف لحن "تحية الشهيد" لأن هذا يومٌ خالدٌ في تاريخ مصر. اسمحوا لي أولاً أن أتقدم بأحر التهاني وأهنئ الشعب المصري على فوز المنتخب الوطني بكأس العالم والإنجاز التاريخي الذي حققه.
أبدأ كلمتي بحمد الله، الذي بفضله نقف اليوم لنعلن افتتاح قيادة الدولة الاستراتيجية - هذا الصرح الوطني الشامخ الذي يرتفع في قلب عاصمتنا الجديدة، شاهداً على إرادة أمة لا تعرف المستحيل.
لم يكن اختيار العاصمة الجديدة لاستضافة هذا الصرح محض صدفة، بل تجسيدًا حيًا لأركان الجمهورية الجديدة. تمثل هذه القيادة الاستراتيجية نقلة نوعية في أنظمة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات لدينا، فهي مزودة ببنية تحتية تكنولوجية متطورة، وأنظمة اتصالات آمنة، وقدرات فائقة في جمع المعلومات وتحليلها. كما أنها تربط بين مستويات القيادة والتنفيذ ضمن إطار عمل واحد يحقق أعلى درجات التكامل والدقة وسرعة الاستجابة.
لا تقتصر مهمة هذه القيادة على إدارة الشؤون العسكرية فحسب، بل هي ركن أساسي في قدرة الدولة على مواجهة التحديات والظروف الاستثنائية. وتعمل برؤية شاملة وأنظمة متطورة تضع أمن واستقرار الوطن فوق كل اعتبار، وتواكب عالماً تتسارع فيه وتيرة التغيرات بوتيرة غير مسبوقة.
تمثل القيادة الاستراتيجية تجسيدًا حيًا لمبدأ راسخ: أن حماية الوطن مسؤولية لا تقبل المساومة؛ وأن ردع كل من يجرؤ على المساس بأمن مصر وسيادتها واجب مقدس؛ وأن حدود مصر خط أحمر، يحميه إرادة شعبها ويصونه كفاءة قواتها المسلحة وقدراتها. ولن تسمح الدولة أبدًا بأي تعدٍّ على موارد شعبها، مع التزامها بالسلام لمن يرغب فيه، ولن تخضع إلا لله عز وجل.
شعب مصر العظيم،
يتزامن هذا الافتتاح مع ذكرى ثورة 30 يونيو المجيدة، التي جسّد فيها الشعب المصري العظيم أسمى تعبير عن الإرادة الوطنية. فقد نهضوا للدفاع عن هوية مصر الأصيلة، واستعادوها من قبضة المتطرفين والإرهابيين الذين سعوا إلى جرّ الأمة إلى هاوية الفوضى والاقتتال الداخلي، وفرض أجندات هدّامة وإقصائية لا تجلب سوى إراقة الدماء والخراب.
كانت ثورة يونيو صرخة من أجل الحقيقة وإعلانًا مدويًا بأن مصر لن تُحكم إلا بإرادة شعبها، وأن هذه الأمة الفخورة قادرة على حماية دولتها والحفاظ على مستقبلها - مهما كانت التحديات عظيمة.
في هذه المناسبة الخالدة، أتقدم بتحية تقدير واحترام لشعب مصر العظيم، الذي أثبت عبر التاريخ وعيه العميق، وبصيرته الراسخة، والتزامه الدائم بحماية الوطن والحفاظ على استقراره، وتضحيته بكل ما هو ثمين وعزيز في سبيل ذلك.
أُحيّي شهداءنا، وقواتنا المسلحة الباسلة، ورجال الشرطة المدنية، الذين كانوا ولا يزالون عماد شعبنا وحماة قدراته. لقد خاضوا معًا معركة شرسة ضد الإرهاب دفاعًا عن أرض مصر ومصالحها، ونيابةً عن المنطقة والعالم أجمع. ولولا أن مصر سحقت هذا الوباء الخبيث واستأصلته من جذوره، لكانت تداعياته المدمرة قد وصلت حتمًا إلى كل ركن من أركان المعمورة.
لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد انتفاضة ضد الإرهاب والتطرف، بل كانت ثورة بناء وتحديث، ثورة الشعب لتحقيق حلمه بإقامة جمهورية جديدة - مصر حديثة، صناعية، متقدمة زراعياً، جاذبة للاستثمار، ورائدة في التعليم والصحة والخدمات وتنمية رأس المال البشري. إنها في نهاية المطاف دولة تليق بتاريخ مصر العريق، وتستعيد مكانتها اللائقة بين دول العالم.
منذ اليوم الأول لتولي منصبي، رفضتُ إيقاف مسيرة التنمية وبناء الأمة. كنتُ مصمماً على المضي قدماً في جهود التحديث جنباً إلى جنب مع مكافحة الإرهاب، دون تأخير أو تراجع، لضمان ثبات مصر على مسارها نحو المستقبل. يجب علينا المضي قدماً دون تردد لاستعادة ما فُقد والتقدم بخطى متسارعة على طريق التقدم.
شعب مصر العظيم،
نبذل قصارى جهدنا، بكل ما أوتينا من قوة وعزيمة وإصرار، لبناء دولة عصرية. هذه عملية مستمرة تتطلب تضحيات وجهوداً من الجميع. التضامن والعمل الجاد هما السبيل الوحيد للتقدم. أما البديل فهو التخلف والانحدار في بيئة إقليمية مليئة بالتحديات والأطماع.
لقد واجهنا أزمات استثنائية متتالية بدأت بتداعيات الأحداث التي شهدتها مصر من عام 2011 إلى عام 2014، مروراً بالحرب على الإرهاب، وجائحة فيروس كورونا، وتداعيات الحرب الأوكرانية، وصولاً إلى الحرب في غزة، وأخيراً الحرب في إيران.
أسفرت هذه الأزمات عن خسائر فادحة، من بينها خسارة أكثر من 10 مليارات دولار من عائدات قناة السويس نتيجة للهجمات على السفن في باب المندب، فضلاً عن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء واضطراب سلاسل الإمداد. هذا بالإضافة إلى موجات نزوح ملايين الأشخاص إلى مصر، التي كانت وستظل ملاذاً آمناً ومستقراً في منطقة مضطربة.
وعلى الرغم من ذلك، بذلت مصر جهوداً مضنية لوقف الحروب ووقف التصعيد، وسعت إلى منع إراقة الدماء.
في هذا السياق، أودّ أن أجدد تقديري للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أثمرت جهوده عن اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب في غزة، ونجاحه اللاحق في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران. وأؤكد على ضرورة دعم هذه الاتفاقات، والإصرار على تنفيذها بالكامل، ومنع أي محاولات لعرقلتها أو الالتفاف عليها أو تقويضها.
السيدات والسادة،
تؤكد مصر، برؤيتها الثاقبة وخبرتها التاريخية التي لا مثيل لها في الشؤون الإقليمية، كونها أول من أبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل في وقت العداء المتأصل، أن الحل الأساسي للصراعات في الشرق الأوسط يكمن في التوصل إلى اتفاق سلام شامل وعادل ينهي القضية الفلسطينية ويؤسس دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للقانون الدولي.
لا يمكن تحقيق سلام دائم، ولا استقرار حقيقي، ولا تطبيع شعبي، دون سلام عادل ينهي الاحتلال، ويضع حداً للظلم والعدوان، ويعيد الحقوق لأصحابها الشرعيين. عندها فقط نستطيع توفير الأمن للجميع، ومنح شعوب المنطقة فرصة العيش في استقرار ورخاء، وبدء عهد جديد من التعاون والازدهار ومستقبل أفضل تستحقه شعوبنا.
شعب مصر العظيم،
أجدد لكم عهدي بأن مصر العظيمة ستواصل، بعزيمة لا تلين وإرادة لا تقهر، مسيرة البناء والتنمية. ويبقى إرساء دعائم الدولة الحديثة خيارنا الاستراتيجي الثابت الذي لا يتزعزع.
في غضون أيام قليلة، سنشهد تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية في محطة الضبعة للطاقة النووية - وهي مبادرة رائدة في إطار شراكتنا الاستراتيجية مع الاتحاد الروسي.
سيُحدث هذا المرفق أثراً إيجابياً كبيراً على التنمية المستدامة من خلال توفير الطاقة النظيفة لتشغيل المشاريع الاستثمارية، فضلاً عن الخدمات التي يحتاجها المواطنون. وأغتنم هذه الفرصة لأشكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والاتحاد الروسي على هذا التعاون البنّاء والممتد، والذي لا يزال يُثمر إنجازاتٍ بارزة في مشاريعنا التنموية الضخمة.
أُدرك تماماً الأعباء التي يتحملها المواطن المصري، وأُدرك أن تحسين مستوى معيشته وتخفيف معاناته يظلان على رأس أولوياتي. هذا هو الشغل الشاغل في كل قرار أتخذه.
لقد واجهنا معًا على مدى السنوات الماضية تحديات استثنائية، وتحملنا مسؤولية الحفاظ على وطننا في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد. واليوم، ونحن نقترب من مرحلة جديدة، فإن ما تحقق من إنجازات في مجال البناء والإصلاح، يُلزمنا بمواصلة المسيرة بنفس القدر من المسؤولية والحكمة، لتحقيق هدفنا.
أؤكد على أهمية أن يفتح المسؤولون قنوات اتصال مباشرة مع المواطنين، وأن يصغوا باهتمام لآرائهم، وأن يزودوهم بمعلومات دقيقة، لكي تكون الرؤية موضوعية ومبنية على بيانات موثقة. وقد أصدرتُ للحكومة توجيهات محددة بشأن عدد من المسائل، على النحو التالي:
أولاً: فتح المجال أمام حوار إعلامي موضوعي، يشمل وجهات نظر متنوعة، لإثراء النقاش وبناء الوعي في إطار من الاحترام والتفاهم. وفي هذا الصدد، أوجه وزير الدولة للإعلام، بالتنسيق مع الجهات الإعلامية والصحفية المعنية، إلى عقد اجتماع سنوي مبدئياً في الثالث من ديسمبر، برعاية رئيس الجمهورية، لاستعراض واقع الإعلام المصري، ومناقشة التحديات والفرص، ووضع توصيات عملية لتحسينه المستمر.
ثانياً: العمل على تنشيط الحياة الحزبية السياسية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، واستكمال الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية لترسيخ المشاركة الشعبية وتعزيز دورها في الإدارة المحلية.
ثالثاً: هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين، ستضع برنامجاً وطنياً للحد من أعباء المعيشة من خلال توسيع المنافذ والأسواق الدائمة، والتحكم في سلاسل التوريد للمساهمة في استقرار أسعار السلع الأساسية.
رابعاً: إعداد برنامج اقتصادي وطني شامل، يتم تنفيذه بعد الانتهاء من برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، ليصبح برنامجاً مصرياً خالصاً يبني على الإصلاحات التي تم تحقيقها بالفعل، وينقل الاقتصاد من مرحلة الاستقرار إلى مرحلة النمو المستدام، مما يؤثر بشكل مباشر على تحسين مستويات معيشة المواطنين ويعزز قدرة الاقتصاد المصري على التكيف مع التغيرات وتحقيق التنمية الشاملة.
خامساً: تسريع تنفيذ المرحلة التالية من برنامج انسحاب الكيانات والمؤسسات الحكومية من الأنشطة الاقتصادية التي يمكن إدارتها بكفاءة من قبل القطاع الخاص، مع الالتزام الكامل بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص والمنافسة، وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو والاستثمار.
سادساً: يجب على جميع الوكالات الحكومية ذات الصلة اتخاذ تدابير أكثر حسمًا لمكافحة الفساد بجميع أشكاله، وتعزيز نظام الحوكمة والشفافية والمساءلة، وتوسيع نطاق التحول الرقمي لضمان حماية الأموال العامة وترسيخ مبادئ النزاهة والكفاءة في المؤسسات الحكومية.
سابعاً: مواصلة تطوير النظام التعليمي، على أساس الجدارة والتميز، وربط النتائج التعليمية باحتياجات سوق العمل، وتوسيع نطاق اكتشاف ورعاية الأفراد الموهوبين لضمان بناء أجيال قادرة على المنافسة والابتكار في مختلف المجالات.
وأخيراً: وضع خطة لإعادة هيكلة وكالة تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة للتركيز على الأنشطة الإنتاجية، إلى جانب تبسيط إجراءات التأسيس والتمويل والترخيص، وزيادة مشاركة الشباب في النشاط الاقتصادي والإنتاج.
ختاماً، أحيي شعب مصر العظيم، وإرادته القوية ووعيه الراسخ. أحيي شهداءنا الأبرار، وقواتنا المسلحة الباسلة - سيف الأمة ودرعها - وشرطتنا المدنية، وجميع مؤسسات الدولة التي تتحمل مسؤولية حماية الوطن ورسم مستقبله، لكي تبقى مصر حصناً منيعاً، وركيزة أمن راسخة، ومنارةً ساطعةً للخير والازدهار.
من المهم اليوم أن نستذكر بالتفصيل أحداث عام ٢٠١١ التي سبقت ٣٠ يونيو. لقد كانت مشيئة الله حماية مصر. ألهم الله الشعب للخروج إلى الشوارع، ووجهنا جميعًا للعمل بطرق محددة لحماية الوطن. في وقت من الأوقات، حوصرت المحكمة الدستورية العليا ومجلس الشعب ووزارة الدفاع، في محاولة للضغط من أجل إدارة الأزمة تحت وطأة الخوف والضغط، مما قد يؤدي إلى قرارات تُلحق ضررًا بالغًا ببلادنا. لذلك، كان من الضروري أن تنقل الدولة مقرها من العاصمة لضمان عدم تكرار مثل هذا الوضع. لن يتوقف أصحاب النوايا الخبيثة والإرهابيون، ورغم أنه لا يمكن لأحد أن يُكرر هذا السيناريو في مصر، إلا أنهم سيجدون وسائل أخرى لإلحاق الضرر بالبلاد. هذا يتطلب منا أن نخدم وطننا بإخلاص، لكي يعيننا الله في الأوقات العصيبة. الله يحمي مصر، ولكن علينا أيضًا أن نؤدي دورنا ونتخذ التدابير العملية اللازمة.
كنتُ حريصًا على التأكيد على أهمية وجود عاصمة جديدة تضم جميع مؤسسات الدولة في الجمهورية الجديدة. وقد هدانا الله إلى هذه الفكرة وتطبيقها. كثيرًا ما أتذكر أحداث عام ٢٠١١، وأكرر أن الله أنقذ مصر. وقد واجهت دول أخرى أوضاعًا مماثلة منذ ذلك الحين، ولا تزال تعاني.
في عام ٢٠١١، كان الدولار الواحد يعادل ستة جنيهات إسترلينية؛ أما اليوم، فقد أصبح يعادل خمسين جنيهاً. خسرت الولاية ٤٥٠ مليار دولار، وهي خسارة نتحملها جميعاً. أقول هذا لكي يدرك كل مسؤول، ومثقف، وشخصية إعلامية، ومفكر، وشاب، خطورة أي إجراء لا يُحسّن أوضاع الناس، بل يُضرّ برفاهيتهم. كما أحثّ زملائي في الولاية على التحدث إلى الجمهور بوضوح تام.
وبعد ذلك، شننا الحرب على الإرهاب، متكبدين تكاليف بالمليارات ومتسببين في مقتل المئات من الشهداء، ومخلفين العديد من الجرحى في الجيش والشرطة والقضاء - مسلمين ومسيحيين على حد سواء.
هذا بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمساجد والكنائس. أذكّركم بهذا حتى نتعلم الدروس اللازمة ونتجنب تكرار هذه الأخطاء.
أهنئ القوات المسلحة والشرطة المدنية والدولة المصرية في هذا اليوم العظيم، وآمل أن نعمل بأقصى جهد وتفانٍ في جميع القطاعات.
أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لله عز وجل على نعمه التي لا تنتهي وهدايته.
والله تعالى



لا تعليق! كن الأول.